السيد نعمة الله الجزائري

67

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

« أسرته » هم رهط الرجل وعشيرته وأهل بيته . « وأقصى الأدنين » أبعدهم وهو والأقصين بعده جمع كسر ما قبل يائه أصلا ، إذ الأصل أدنيين وأقصيين كالمصطفين والمرتضين . « على استجابتهم » على هنا وفي السابق مثلها في قوله تعالى : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ، ويحتمل الاستعلاء المجازي أي حال كونهما ركوبا عليهما إشعارا بالملابسة والملازمة للشيئين . « ووالى فيك الأبعدين ، وعادى الأقربين » هو كالتأكيد لما سبقه ، ويمكن الفرق بحمل الأوليين على الأقصاء والقرب المكانيين ، وهذين على المحبة والعداوة القلبيين وإن كانا سواء في المكان . « وأدأب نفسه في تبليغ رسالتك » أي أتعبها ، وقد حصل لنفسه الشريفة التعب في مواضع ، أحدها : الغزوات والمنازعات مع الكفار ، وثانيها : تفهيم المطالب الدقيقة الإلهية ، وإيصالها إلى العقول الناقصة الحيوانية ، وثالثها : التكلم مع كل شخص يما يليق بحاله ، كقوله صلّى اللّه عليه واله وسلّم إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم ، وفيه تعب عظيم ، لأن منه يثار تكذيبهم والطعن عليهم ونسبتهم إلى الجهالة والنسيان ، حيث أنهم أخبروا هذا بغير ما أخبروا به ذاك ، كما يظهر من تتبع أحوال الأئمة عليهم السّلام وما نالهم من المخالف والمؤالف على مثل هذا ، ورابعها : التعب الذي حصل له عليه السّلام بسبب تنزله من مراتب القرب الذي منه قوله تعالى : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى إلى هذه المراتب السفلية البشرية المشار إليها بقوله تعالى : إن هو إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ الآية ، فإنه تعالى رباه وغذاه بالكمالات والعلوم والآداب من ولادته إلى مدة أربعين سنة ، وقد رقاه على جميع مراتب الآداب والقرب ، ثم نزله عنه إلى رسالة مثل هذه الأنعام بل هم أضل سبيلا ، وليس هذا إلّا من قبيل سلطان عظيم يكون عنده وزير مقرب قد حلّاه وتوجّه بتاج القرب والالتفات ويكون في مملكته رعايا وأقوام لا يعرفون عظمة السلطان